تواصل مصر تعزيز موقعها على خريطة صناعة الذكاء الاصطناعي إقليميًا ودوليًا، من خلال استراتيجية متكاملة تستهدف جذب الاستثمارات في مراكز البيانات، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتأهيل الكوادر البشرية، بما يدعم تحول البلاد من مجرد استخدام التقنيات الحديثة إلى المشاركة الفعلية في تطويرها وإنتاجها وتصدير خدماتها للأسواق العالمية.
وأكد المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أن الدولة المصرية تستعد لإحداث نقلة نوعية في منظومة الابتكار التكنولوجي خلال السنوات المقبلة، بالاعتماد على مسارين رئيسيين، يتمثل الأول في استقطاب المزيد من الاستثمارات لإنشاء مراكز بيانات متخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بينما يركز الثاني على التوسع في برامج تنمية المهارات الرقمية وإعادة تأهيل العاملين لمواكبة التحولات المتسارعة في سوق العمل.
جاءت تصريحات الوزير خلال مشاركته في فعاليات افتتاح الدورة الثلاثين من معرض ومؤتمر القاهرة الدولي للتكنولوجيا للشرق الأوسط وأفريقيا Cairo ICT 2026، الذي يُعقد تحت رعاية وتشريف الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بمشاركة عدد من الوزراء والمسؤولين، وممثلي كبرى شركات التكنولوجيا المصرية والعالمية، إلى جانب المستثمرين ورواد الأعمال من مختلف الدول العربية والأفريقية.
استثمارات مراكز البيانات تدعم مستقبل الذكاء الاصطناعي في مصر
أوضح وزير الاتصالات أن التوسع في إنشاء مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي يمثل أحد المرتكزات الأساسية للاستراتيجية المصرية خلال المرحلة المقبلة، نظرًا لأهمية توفير قدرات حوسبية متقدمة تتيح للباحثين والمطورين والشركات الناشئة ابتكار حلول ومنتجات تكنولوجية داخل السوق المحلية.
وأشار إلى أن إتاحة البنية التحتية الحوسبية اللازمة ستمنح المبتكرين المصريين فرصًا أكبر لتطوير تطبيقات متقدمة، بدلًا من الاعتماد الكامل على الخدمات والحلول التكنولوجية المستوردة، بما يعزز القدرة التنافسية للقطاع ويدعم جهود توطين صناعة التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، كشف الوزير عن توجه وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة لتوفير قدرات كهربائية تصل إلى 1 جيجاوات لخدمة مجموعة من الفرص الاستثمارية المرتبطة بصناعة مراكز البيانات، في خطوة تستهدف تهيئة البيئة المناسبة لاستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية في هذا القطاع الاستراتيجي.
الموقع الجغرافي والكابلات البحرية يعززان تنافسية مصر
لفت المهندس رأفت هندي إلى أن المواقع المستهدفة لاستضافة مراكز البيانات الجديدة تتمتع بمزايا تنافسية مهمة، وفي مقدمتها قربها من نقاط إنزال الكابلات البحرية الدولية التي تمر عبر الأراضي المصرية.
وأوضح أن هذه المزايا تتيح الاستفادة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر، فضلًا عن بنيتها التحتية الدولية المتطورة للاتصالات، بما يسهم في تقليل زمن الاستجابة، ورفع كفاءة وسرعة نقل البيانات، وتوفير خدمات رقمية أكثر تنافسية.
وأضاف أن تطوير هذه الصناعة يفتح آفاقًا جديدة أمام تصدير خدمات مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى الأسواق الإقليمية والدولية، ويعزز فرص تحول مصر إلى مركز إقليمي لتقديم الخدمات الرقمية المتقدمة.
وأكد أن تنمية هذا القطاع تتم بالتنسيق بين وزارات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والاستثمار والتجارة الخارجية، والكهرباء والطاقة المتجددة، والمالية، بهدف تعظيم العوائد الاقتصادية والاستثمارية من المشروعات المستهدفة.
السيادة الرقمية محور رئيسي في استراتيجية مراكز البيانات
شدد وزير الاتصالات على ضرورة التعامل مع الاستثمار في مراكز البيانات باعتباره قضية استراتيجية ترتبط بمفهوم السيادة الرقمية، وليس مجرد نشاط اقتصادي يستهدف جذب رؤوس الأموال.
وأوضح أن عدم مواكبة التطور العالمي المتسارع في مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى زيادة الاعتماد على الحلول التكنولوجية الخارجية، وهو ما يتعارض مع توجه الدولة نحو تعزيز استقلالية قدراتها الرقمية.
وأشار إلى أن الدولة المصرية تدرك أهمية امتلاك بنية تحتية متقدمة تتيح تطوير وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي محليًا، بما يدعم قدرتها على إدارة مواردها التكنولوجية وتلبية احتياجات مختلف القطاعات.
وأكد أن التنسيق الحكومي المتكامل يستهدف بناء صناعة مستدامة لمراكز البيانات، تجمع بين الجدوى الاستثمارية وتعزيز القدرات الوطنية في مجالات الحوسبة والبيانات والتكنولوجيا المتقدمة.
استراتيجية الذكاء الاصطناعي 2025–2030 تدخل مرحلة التطبيق الواسع
استعرض المهندس رأفت هندي تطور الجهود المصرية في مجال الذكاء الاصطناعي منذ عام 2019، الذي شهد انطلاق العمل على وضع الأسس الوطنية لتنمية هذا القطاع.
وأوضح أن إطلاق المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي للفترة من 2025 إلى 2030 يمثل انتقالًا من مرحلة تأسيس المنظومة إلى مرحلة التوسع في التطبيقات العملية وتعظيم أثرها على الاقتصاد والمجتمع.
وتستند الاستراتيجية الجديدة إلى ست ركائز رئيسية تشمل الحوكمة، والتكنولوجيا والتطبيقات، والبيانات، والبنية التحتية، والنظام البيئي، وبناء القدرات البشرية.
وأشار الوزير إلى أن المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي يتولى مسؤولية تنسيق الجهود بين مختلف الجهات الحكومية، بما يضمن تكامل المبادرات والمشروعات المرتبطة بتنفيذ الاستراتيجية وتحقيق مستهدفاتها.
وتسعى مصر من خلال هذه المنظومة إلى تعزيز قدرتها على تطوير تطبيقات تكنولوجية محلية، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والخدمية، مع توفير بيئة داعمة للبحث العلمي وريادة الأعمال والابتكار.
نموذج «كرنك» يعزز تطوير التكنولوجيا باللغة العربية
وفي إطار جهود توطين صناعة الذكاء الاصطناعي، سلط وزير الاتصالات الضوء على النموذج اللغوي العربي الكبير «كرنك»، الذي طوره مركز الابتكار التطبيقي.
وأوضح أن النموذج يمثل خطوة مهمة في بناء قدرات تكنولوجية وطنية، إذ يتيح للباحثين ورواد الأعمال والمطورين الاستفادة منه في إنشاء منتجات وتطبيقات قادرة على فهم اللغة العربية والتعامل مع احتياجات المستخدم العربي.
وأكد أن تطوير «كرنك» يعكس ما تمتلكه مصر من كفاءات بشرية قادرة على المشاركة في صناعة التكنولوجيا المتقدمة، مشيرًا إلى أن توفير البنية التحتية المناسبة يمثل عاملًا أساسيًا لتمكين هذه الكفاءات من تحويل أفكارها إلى منتجات وحلول قابلة للتطبيق.
وشدد على أن التوجه الاستراتيجي للدولة يقوم على التعاون مع الشركات والمصنعين لتطوير التكنولوجيا وإنتاجها، بدلًا من الاقتصار على استهلاك المنتجات والحلول الجاهزة.
الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول يدعم الحوكمة
تطرق الوزير إلى الجهود المبذولة لتنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى إصدار الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول باعتباره إطارًا مرجعيًا يهدف إلى تعزيز الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التكنولوجيا.
وأوضح أن الميثاق يركز على صون الخصوصية وتحديد المسؤوليات المرتبطة بتطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما يواكب التوسع المتوقع في استخدام هذه التقنيات بمختلف القطاعات.
ويأتي هذا التوجه ضمن الركائز المتعلقة بالحوكمة في الاستراتيجية الوطنية، بهدف تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وضمان الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا وحماية حقوق المستخدمين.
هاكاثون مشترك مع وزارة المالية لتطوير حلول مبتكرة
وخلال الجلسة الوزارية رفيعة المستوى التي حملت عنوان «الذكاء الاصطناعي قيد التطبيق: من قصص النجاح إلى الأثر الوطني الواسع»، كشف المهندس رأفت هندي عن الاستعداد لإطلاق هاكاثون بالتعاون مع وزارة المالية.
وشهدت الجلسة مشاركة الدكتور أحمد كجوك، وزير المالية، والدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، والدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية.
وأوضح وزير الاتصالات أن الهاكاثون المرتقب سيطرح مجموعة من التحديات التي تتيح للشركات الناشئة والمبتكرين فرصة تصميم وتطوير حلول تكنولوجية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في مواجهة التحديات العملية وتقديم تطبيقات مبتكرة.
وأشار إلى أن الوزارة تعتزم التنسيق مع عدد من الوزارات الأخرى لتنفيذ مبادرات مماثلة، بما يوسع نطاق الاستفادة من الابتكار التكنولوجي ويعزز مشاركة الشركات الناشئة في تطوير حلول تلبي احتياجات القطاعات المختلفة.
وتعكس هذه المبادرات توجهًا نحو ربط الابتكار بالتحديات الفعلية للمؤسسات الحكومية، وتحويل قدرات الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات عملية يمكن الاستفادة منها في تحسين كفاءة الخدمات والعمليات.
مصر تقفز 59 مركزًا في مؤشرات جاهزية الذكاء الاصطناعي
استعرض وزير الاتصالات التقدم الذي أحرزته مصر في مؤشرات الجاهزية الدولية للذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الدولة حققت تطورًا ملحوظًا منذ بدء تنفيذ استراتيجيتها الوطنية عام 2019.
وأوضح أن ترتيب مصر ارتفع من المركز 111 عالميًا عند بداية الاستراتيجية إلى المركز 52 عالميًا حاليًا، وفقًا للأرقام التي عرضها خلال الجلسة، وهو ما يمثل تقدمًا بمقدار 59 مركزًا.
وأضاف أن مصر تحتل المركز الأول أفريقيًا والثالث عربيًا في المؤشر المشار إليه، معتبرًا أن هذا التطور يعكس الجهود المبذولة لتطوير المنظومة الوطنية للذكاء الاصطناعي وتعزيز جاهزية الدولة للاستفادة من تطبيقاته.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تستهدف البناء على هذه النتائج، من خلال دعم الابتكار المحلي، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع قاعدة الكفاءات المتخصصة، بما يعزز حضور مصر في صناعة التكنولوجيا إقليميًا ودوليًا.
تنمية المهارات الرقمية لإعداد جيل يصنع التكنولوجيا
أكد المهندس رأفت هندي أن الاستثمار في العنصر البشري يمثل المسار الثاني لدفع الابتكار في الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع التوسع في استثمارات مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
وأوضح أن التحولات التكنولوجية المتسارعة تفرض ضرورة تطوير مهارات العاملين في مختلف القطاعات، وإعادة تأهيلهم لمواكبة التغيرات التي تطرأ على طبيعة الوظائف ومتطلبات سوق العمل.
وأشار إلى أن برامج تنمية المهارات الرقمية تستهدف إعداد كوادر قادرة على التعامل مع التقنيات الحديثة وتطوير تطبيقاتها، مع التركيز على تمكين الشباب من اكتساب المهارات اللازمة للمشاركة في ابتكار حلول الذكاء الاصطناعي.
وشدد على أهمية ألا يقتصر دور الشباب المصري على استخدام التكنولوجيا، بل أن يمتد إلى تصميمها وتطويرها والمساهمة في إنتاجها، بما يدعم بناء قاعدة وطنية من المتخصصين والمبتكرين.
من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى توطين صناعته
أكد وزير الاتصالات أن الرؤية المصرية لمستقبل الذكاء الاصطناعي تتجاوز التوسع في استخدام التطبيقات المتاحة، لتشمل بناء قدرات وطنية قادرة على المشاركة الفعلية في تطوير هذه التكنولوجيا بالتعاون مع المصنعين والشركاء التكنولوجيين.
واستشهد مجددًا بالنموذج اللغوي العربي «كرنك» باعتباره مثالًا على قدرة الكفاءات المصرية على تطوير منتجات متقدمة، عندما تتوافر لها الإمكانات الحوسبية والبنية التحتية اللازمة.
وتعكس المحاور التي استعرضها الوزير خلال فعاليات Cairo ICT 2026 توجهًا نحو بناء منظومة مترابطة تجمع بين استثمارات مراكز البيانات، وتطوير القدرات البشرية، وتعزيز الحوكمة، وتشجيع الشركات الناشئة، وتوسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة.
وتسعى مصر عبر هذه الجهود إلى ترسيخ موقعها في صناعة الذكاء الاصطناعي، وتحويل إمكاناتها البشرية والجغرافية والتكنولوجية إلى فرص استثمارية وإنتاجية تدعم الاقتصاد الرقمي وتعزز القدرة التنافسية للبلاد في الأسواق الإقليمية والعالمية.
سجل في قائمتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار
التكنولوجيا وأخبارها بوابة مصر لأخبار تكنولوجيا المعلومات والإتصالات وفي أفريقيا كما تعتبر مصدر رئيسي للمعلومات حول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والفرص الاستثمارية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي في المنطقة بالكامل
