لم تكن ثلاثون عاماً مجرد مسافة زمنية قطعها معرض القاهرة الدولي للتكنولوجيا للشرق الأوسط وأفريقيا «Cairo ICT»، منذ انطلاق دورته الأولى عام 1996، بل كانت رحلة متصلة مع التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل العالم؛ من الهاتف المحمول والإنترنت، إلى الاتصالات فائقة السرعة والخدمات الرقمية والمدن الذكية، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية. وبينما كانت التكنولوجيا في تسعينيات القرن الماضي لا تزال قطاعاً متخصصاً ينمو على هامش الاقتصاد التقليدي، راهن القائمون على المعرض على أن الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لن تظلا مجرد صناعتين مستقلتين، بل ستتحولان تدريجياً إلى بنية أساسية تتكئ عليها قطاعات الحياة والإنتاج والخدمات.
ومن هنا تكتسب الدورة الثلاثون، التي تنطلق في القاهرة خلال الفترة من 7 إلى 10 نوفمبر 2026، دلالة تتجاوز الاحتفال بمرور ثلاثة عقود على انطلاق الحدث؛ فهي تمثل محطة لتقييم التحول الذي شهده قطاع التكنولوجيا في مصر والمنطقة، وقياس المسافة بين سوق كانت تتلمس طريقها نحو خدمات المحمول والإنترنت، وواقع تتنافس فيه الدول على امتلاك البنية التحتية الرقمية والقدرات الحاسوبية والبيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما تطرح سؤالاً أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل هذا التراكم التكنولوجي إلى قيمة اقتصادية وصناعية وتنموية ملموسة، بدلاً من الاكتفاء باستيراد التقنيات واستهلاك خدماتها؟
من Cairo Telecom إلى Cairo ICT.. الاسم الذي كشف عن اتساع الرؤية
تبدأ قراءة تاريخ المعرض من نقطة لا يصح تجاوزها: لم يولد الحدث باسمه الحالي «Cairo ICT»، وإنما انطلقت رحلته عام 1996 تحت هوية ارتبطت بالاتصالات، وتظهر في التغطيات التاريخية بصيغتي «Cairo Telecom» و«Cairo Telecomp». وكانت الدورة الأولى تحمل وصف «المعرض الدولي الأول للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأقمار الصناعية والبث»، في محاولة مبكرة لجمع أنشطة كانت تبدو آنذاك متباعدة في نظر كثير من الشركات، رغم أن مؤسس المعرض الإعلامي أسامة كمال كان يرى أن التقارب بينها مسألة وقت، وأن الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام ستتقاطع بصورة متزايدة مع تطور البنية التقنية.
ويكتسب هذا التفصيل أهميته من طبيعة السوق المصرية في منتصف التسعينيات؛ فالشركات العاملة في الاتصالات لم تكن ترى بالضرورة جدوى من المشاركة في معرض متخصص، وكان عدد الجهات المستفيدة من خدماتها محدوداً مقارنة بما أصبح عليه السوق لاحقاً. وفي المقابل، كانت شركات تكنولوجيا المعلومات لا تزال تتعامل مع الاتصالات باعتبارها مجالاً منفصلاً، ولم تكن فكرة المنظومة الرقمية المتكاملة قد ترسخت بعد. لكن تزامن الدورة الأولى مع الاستعداد لإطلاق أول شبكة للمحمول في مصر في نوفمبر 1996 منح المعرض دفعة مهمة، وحوّل اهتمام الشركات به من مجرد تجربة تنظيمية إلى فرصة لعرض خدمات وتقنيات ترتبط بسوق جديدة آخذة في التشكل.
أما الانتقال إلى اسم «Cairo ICT»، فلم يكن مجرد تحديث للعلامة التجارية أو استبدال كلمة بأخرى، بل عكس تحولاً في فهم وظيفة المعرض نفسه. فمصطلح «Telecom» يرتبط أساساً بقطاع الاتصالات، بينما يشير «ICT» إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات معاً، بما يفتح المجال أمام قطاعات أخرى تعتمد على التكنولوجيا في عملياتها، من البنوك والمدفوعات والإعلام إلى الصناعة والنقل والخدمات الحكومية. وبذلك أصبح الاسم الجديد تعبيراً عن رؤية أوسع: التكنولوجيا ليست قطاعاً معزولاً، وإنما محرك أفقي يعيد تشكيل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية كافة.
وأشار أسامة كمال فى تصريحات إعلامية أرشيفية إلى أن فكرة التوسع تبلورت عام 2000، وأن المعرض بدأ يأخذ شكلاً جديداً في 2003 مع تغيير اسمه من «كايرو تيلكوم» إلى «كايرو آي سي تي». كما ربط كمال التوجهه لتغيير الاسم بزيارة الرئيس الأسبق حسني مبارك للمعرض عام 2002.
وقد شرح أن جوهر الرؤية كان اعتبار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات «المشغل الأساسي» للتقنيات التي تدخل تفاصيل الحياة، وأن دور المعرض لا ينبغي أن يتوقف عند عرض أجهزة الاتصالات أو خدماتها، بل يمتد إلى تقديم التطبيقات التي يمكن أن تطور القطاعات الأخرى. وهكذا لم يكن الانتقال من «Cairo Telecom» إلى «Cairo ICT» مجرد تغيير في الاسم، بل كان إعلاناً مبكراً عن انتقال المعرض من قطاع الاتصالات إلى مفهوم المنظومة التكنولوجية الشاملة.
من الهاتف المحمول إلى الإنترنت.. البدايات التي صنعت سوقاً جديدة
جاءت انطلاقة المعرض في لحظة كانت مصر تشهد فيها بدايات تحول مهم في قطاع الاتصالات. فإطلاق خدمات المحمول بتقنية GSM عام 1996 لم يكن مجرد إضافة وسيلة جديدة للاتصال، بل بداية لتغير واسع في شكل السوق، وفي طبيعة العلاقة بين الأفراد والشركات ومقدمي الخدمات. ومع انتشار المحمول تدريجياً، لم تعد الاتصالات مقتصرة على الهاتف الأرضي وشبكات المؤسسات، بل أصبحت خدمة جماهيرية تتوسع معها فرص الاستثمار والتنافس وتقديم الخدمات الجديدة.
وفي هذه المرحلة، أدى المعرض دوراً يتجاوز عرض المنتجات؛ إذ وفر مساحة تجمع الشركات العالمية والمحلية والجهات الحكومية ومقدمي الخدمات، وتتيح للقطاع أن يتابع التطورات التقنية وأن يعرضها أمام السوق. حيث أن أول دورة شهدت إطلاق أول شبكة محمول في مصر، كما تحولت دورات لاحقة إلى منصة لإعلان مبادرات وخدمات جديدة، من بينها إطلاق الشبكة الثالثة، والإنترنت فائق السرعة، والإنترنت المجاني، ومبادرة «حاسب لكل بيت». وهي محطات تكشف كيف ارتبطت مسيرة المعرض، بدرجات متفاوتة، بتطور البنية الرقمية المصرية واتساع قاعدة المستخدمين.
كان التحدي في تلك السنوات يتمثل في بناء سوق قادرة على استيعاب التكنولوجيا، لا مجرد إتاحة الأجهزة أو الشبكات. فانتشار الإنترنت، على سبيل المثال، احتاج إلى بنية اتصالات، وأجهزة مناسبة، وخدمات بأسعار يمكن للمستخدمين تحملها، إلى جانب نشر الوعي بالاستخدام. ومن هنا اكتسبت المبادرات المرتبطة بتوسيع الوصول إلى الإنترنت والحواسب أهمية خاصة، لأنها نقلت النقاش من حدود القطاع المتخصص إلى سؤال النفاذ المجتمعي للتكنولوجيا، ومدى قدرتها على تغيير التعليم والعمل والتواصل والحصول على المعلومات.
من الاتصالات إلى الاقتصاد الرقمي.. توسع الرؤية وتعدد المسارات
مع دخول الألفية الجديدة، بدأت الحدود التقليدية بين قطاعات التكنولوجيا تتراجع. فالبنوك أصبحت أكثر اعتماداً على الأنظمة الرقمية، والمدفوعات الإلكترونية أخذت تفتح المجال أمام أنماط جديدة من المعاملات، فيما بدأت مفاهيم المدن الذكية والمنازل المتصلة تفرض نفسها على نقاشات التخطيط العمراني والخدمات. وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على هوية معرض يسعى إلى متابعة تطور الصناعة، لا أن يظل أسير الموضوعات التي انطلق منها.
ويقول الإعلامي أسامة كمال أن التفكير في قطاعي البنوك والمدفوعات، والمدن والمنازل الذكية، بدأ عام 2008، إلا أن السوق لم تكن قد وصلت بعد إلى مرحلة استيعاب هذا التقاطع. فقد كان العاملون في بعض المؤسسات المصرفية ينظرون باستغراب إلى فكرة وجود علاقة مباشرة بين أنشطتهم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، في وقت لم تكن فيه منظومة المدفوعات الرقمية قد نضجت بالصورة التي نعرفها اليوم. وكانت هذه الفجوة بين الرؤية المستقبلية واستعداد السوق أحد التحديات التي واجهت مسيرة المعرض، وأظهرت أن التطور التكنولوجي لا يعتمد فقط على توافر التقنية، بل يحتاج إلى تغير في ثقافة المؤسسات ونماذج أعمالها واستعداد المستخدمين.
وفي عام 2011، اتخذت إدارة المعرض قراراً بالتركيز على الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام، مع تأجيل التوسع في بعض المجالات الأخرى بصورة مؤقتة. ثم جاءت خطوة عام 2013 بإطلاق معرض ومؤتمر التكنولوجيا المالية «PAFIX»، لتؤكد أن المدفوعات والخدمات المالية لم تعد موضوعاً جانبياً في صناعة التكنولوجيا، وإنما قطاعاً يستحق منصة متخصصة تجمع البنوك وشركات التكنولوجيا ومقدمي حلول الدفع والجهات التنظيمية. ومع تطور النقاش لاحقاً من الشمول المالي إلى الشمول الرقمي، اتسعت دلالة هذه الخطوة لتشمل النفاذ إلى الخدمات الرقمية والقدرة على استخدامها والاستفادة منها.
وتوضح هذه المحطات أن نمو المعرض لم يكن قائماً على زيادة المساحات وعدد الشركات فقط، بل على بناء منصات متخصصة تنبثق من احتياجات السوق. فحين يصبح مجال معين أكثر نضجاً واتساعاً، يمكن أن يتحول من جزء داخل المعرض الرئيسي إلى فعالية قائمة بذاتها، مع الاحتفاظ بصلته بالمنظومة الأم. وهو ما حدث لاحقاً في مجالات أخرى، أبرزها تكنولوجيا النقل.
TransMEA وConnecta.. حين تنمو المنصة وتولد منها منصات جديدة
من أبرز مؤشرات تطور Cairo ICT قدرته على احتضان موضوعات جديدة ثم المساهمة في بناء فعاليات مستقلة لها. ففي عام 2018، اتجهت الرؤية إلى تخصيص مساحة أكبر لتكنولوجيا النقل الذكي، انطلاقاً من أن مشكلات النقل والبنية التحتية لا يمكن التعامل معها بمعزل عن أنظمة الاتصالات والتحكم والبيانات والتشغيل. ومع توسع هذا المسار، تطور الجزء المخصص للنقل إلى معرض «TransMEA»، الذي أصبح فعالية مستقلة تستقطب شركات ومؤسسات تعمل في السكك الحديدية والأنفاق والطرق والنقل البحري وأنظمة النقل الذكي.
وتكشف هذه التجربة عن تحول نوعي في وظيفة المعرض؛ فلم يعد يكتفي بعرض التكنولوجيا باعتبارها منتجات أو خدمات، بل أصبح يربطها بمشروعات البنية الأساسية والتنمية الاقتصادية. فالنقل الذكي، على سبيل المثال، لا يقتصر على المركبات أو أنظمة التذاكر، وإنما يشمل إدارة الحركة، وتحليل البيانات، والتشغيل، والسلامة، وربط المرافق والخدمات. ومن ثم، فإن انتقال هذا المسار إلى منصة مستقلة يعكس اتساع السوق وتزايد أهمية التكنولوجيا في قطاعات كانت تُصنف تقليدياً خارج صناعة الاتصالات.
وفي الاتجاه نفسه، ظهر «Connecta» ليضيف بعداً يتعلق بالشباب والمهارات وفرص العمل والتفاعل مع التكنولوجيا. فالتحدي لم يعد فقط في جذب الشركات العالمية أو عرض أحدث الحلول، بل في بناء جسر بين المؤسسات والطلاب والخريجين ورواد الأعمال، وربط التعليم والمهارات باحتياجات سوق العمل. كما أتاحت «Innovation Arena» مساحة للشركات الناشئة لعرض ابتكاراتها والتواصل مع المستثمرين وشركاء الأعمال، بما يجعل المعرض أقرب إلى منظومة تفاعلية تضم الشركات الكبرى والمشروعات الناشئة والمواهب الشابة.
وتكشف هذه المنصات المصاحبة عن فلسفة توسع تقوم على التخصص والتكامل في الوقت نفسه؛ إذ يحتفظ الحدث بهويته الرئيسية بوصفه ملتقى للتكنولوجيا والاتصالات، بينما يتيح للمجالات الأكثر تخصصاً أن تنمو داخل مظلته أو تنطلق منها إلى فعاليات مستقلة. وهي صيغة تعزز قدرة المعرض على مواكبة قطاعات تتغير بسرعة، وتمنحه مرونة في التعامل مع موضوعات تتجاوز حدود صناعة الاتصالات التقليدية.
محطات وطنية.. من التأشيرة الإلكترونية إلى الهاتف المصري
لم يكن حضور الدولة في تاريخ Cairo ICT مقتصراً على الرعاية أو الافتتاح الرسمي، بل ارتبطت بعض دوراته بإعلانات ومبادرات تعكس اتجاهات السياسة الرقمية المصرية. ومن المحطات اللافتة دورة عام 2017، التي شهدت إطلاق خدمة التأشيرة الإلكترونية، إلى جانب تقديم أول هاتف محمول يحمل علامة تجارية مصرية، والإعلان عن مشروعات للمناطق التكنولوجية في عدد من المحافظات. وقدمت هذه الفعاليات صورة عن انتقال النقاش من مجرد توسيع خدمات الاتصالات إلى بناء قدرات محلية في تصنيع الإلكترونيات، وتطوير الخدمات الحكومية الرقمية، وتوزيع النشاط التكنولوجي جغرافياً خارج العاصمة.
وتكتسب هذه المحطة أهميتها من تعدد أبعادها؛ فالتأشيرة الإلكترونية تمثل نموذجاً لاستخدام التكنولوجيا في تبسيط الإجراءات والخدمات العامة، بينما يفتح تصنيع الهواتف محلياً نقاشاً حول التصنيع ونقل المعرفة وسلاسل الإمداد ونسبة المكون المحلي. أما المناطق التكنولوجية، فتطرح فكرة توسيع فرص الاستثمار والتشغيل والتدريب في المحافظات، وربط التنمية المحلية بالاقتصاد الرقمي. وبذلك لم تعد التكنولوجيا مجرد واجهة حديثة للعرض، بل أصبحت جزءاً من أجندة الدولة المتعلقة بالخدمات والإنتاج وجذب الاستثمار.
كما أن هذه المحطات تبرز الدور الذي يمكن أن تلعبه المعارض المتخصصة في توفير مساحة لإعلان المبادرات أمام جمهور من الشركات والخبراء والمستثمرين والإعلام، بما يساعد على تحويل المبادرات إلى موضوعات للنقاش والتقييم والمتابعة. غير أن القيمة الحقيقية لأي مبادرة لا تقاس بإعلانها في معرض أو مؤتمر، وإنما بمدى استمراريتها، وحجم انتشارها، وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة للمستخدمين والاقتصاد.
2025.. «AI Everywhere» وسنة الأرقام القياسية
جاءت الدورة التاسعة والعشرون في نوفمبر 2025 تحت شعار «AI Everywhere»، في توقيت أصبحت فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي جزءاً من المنافسة بين شركات التكنولوجيا، كما بدأت المؤسسات الحكومية والمالية والصناعية تبحث عن وسائل عملية لدمج هذه التقنيات في أنظمة العمل والخدمات.
وسجلت الدورة أرقاماً لافتة؛ فقد بلغ عدد الزوار 161,280 زائراً، وشارك أكثر من 580 عارضاً من 17 دولة، فيما تجاوز عدد المتحدثين في المؤتمرات 550 متحدثاً، وبلغت مساحة المعرض نحو 55 ألف متر مربع. كما تضمن البرنامج أكثر من 160 ساعة من المحتوى على المنصات، و95 جلسة نقاشية، وشارك نحو 62 ألف طالب وخريج جديد في فعاليات Connecta، وشهد المعرض توقيع 30 مذكرة تفاهم.
وتعكس هذه الأرقام اتساع قاعدة الجمهور المستهدف، فلم يعد الحضور مقتصراً على العاملين في قطاع الاتصالات، بل امتد إلى ممثلي الحكومة والبنوك والصناعة والنقل والتعليم والجامعات والشركات الناشئة. وتكشف بيانات توزيع الزوار المنشورة عن وجود تمثيل لمختلف هذه القطاعات، بما يؤكد أن التكنولوجيا أصبحت قضية مشتركة بين الصناعات وليست شأناً يخص شركات التقنية وحدها.
وعلى مستوى الفعاليات المتخصصة، ضمت دورة 2025 الدورة الثانية عشرة من PAFIX، والدورة الثانية من AIDC، والدورة الخامسة من Connecta، إلى جانب Innovation Arena وفعاليات Cyber Zone. وشهدت أجنحة الجهات الحكومية والمؤسسات الوطنية عرض مشروعات في التحول الرقمي والهوية الرقمية والخدمات الإلكترونية، كما استعرضت شركات الاتصالات حلول الجيل الخامس ومراكز البيانات وشبكات الكابلات البحرية.
وكان من أبرز ما عكسه المعرض في تلك الدورة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعاً نظرياً أو مجرد عنوان دعائي، وإنما أصبح مجالاً تتنافس فيه المؤسسات على التطبيقات الفعلية، سواء في تحليل البيانات أو الخدمات المصرفية أو الأمن السيبراني أو إدارة العمليات أو تطوير الخدمات الحكومية.
وحصل Cairo ICT كذلك على تكريم من Global Brands بوصفه المعرض والمؤتمر الأكثر تأثيراً في التكنولوجيا والابتكار بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. ويضاف ذلك إلى مؤشرات النمو التي حققها المعرض من خلال النتائج العملية التي يحققها للمشاركين، مثل الشراكات والاستثمارات والاتفاقيات والفرص التجارية التي تستمر بعد انتهاء أيامه.
2026.. الدورة الثلاثون والانتقال من «الذكاء الاصطناعي في كل مكان» إلى «الذكاء الاصطناعي في العمل»
تأتي الدورة الثلاثون من Cairo ICT في الفترة من 7 إلى 10 نوفمبر 2026 بمركز مصر للمعارض الدولية بالقاهرة الجديدة، تحت شعار «AI in Action»، أي «الذكاء الاصطناعي في العمل»، برعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، وبمشاركة حكومية ومؤسسية واسعة.
ويحمل الشعار الجديد دلالة مهمة عند مقارنته بشعار الدورة السابقة «AI Everywhere». ففي 2025 كان التركيز على اتساع انتشار الذكاء الاصطناعي ودخوله مختلف المجالات، أما في 2026 فتتجه الرسالة إلى مرحلة أكثر عملية، تتمثل في قياس ما يمكن أن تقدمه هذه التكنولوجيا للمؤسسات والمجتمعات، وكيف يمكن تحويلها إلى خدمات ومنتجات وحلول ذات أثر اقتصادي واضح.
وتكتسب هذه النقلة أهمية خاصة في ظل المنافسة العالمية على امتلاك قدرات الذكاء الاصطناعي، والتي لم تعد تعتمد فقط على تطوير النماذج والخوارزميات، بل أصبحت ترتبط أيضاً بتوافر مراكز البيانات، والطاقة، والاتصالات عالية السرعة، والكوادر المتخصصة، وحوكمة البيانات، وأمن البنية التحتية الرقمية.
وتتضمن أجندة الدورة الثلاثين قمة وزارية تناقش الذكاء الاصطناعي من مرحلة قصص النجاح إلى تحقيق أثر وطني واسع النطاق، بمشاركة عدد من الوزراء المعنيين بالاتصالات والاستثمار والمالية والري والطاقة والعدل. كما تتناول المؤتمرات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الاتصالات والبنوك والرعاية الصحية والتعليم والخدمات الحكومية والطاقة والزراعة والإعلام وصناعة المحتوى والألعاب الرقمية.
ومن الملفات اللافتة أيضاً تنظيم مائدة مستديرة حول «البنية التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي»، بالتعاون مع المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات وتحالف Smart Africa، لمناقشة تطوير قدرات الحوسبة ومراكز البيانات وحوكمة البيانات والتعاون العربي الأفريقي في بناء بنية تحتية تلائم احتياجات المنطقة.
وتتصل هذه المناقشات بقضية استراتيجية تتجاوز حدود الشركات؛ وهي قدرة الدول على امتلاك البنية التي تسمح لها باستخدام الذكاء الاصطناعي وتطويره وفق احتياجاتها وأولوياتها، مع الحفاظ على أمن البيانات واستمرارية الخدمات وتقليل الاعتماد غير المدروس على البنية الخارجية.
وتشمل الموضوعات الأخرى حماية الأطفال من المخاطر الرقمية، ودور المرأة العربية والأفريقية في قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي، وتطبيقاته في الطاقة والتعدين، ومستقبل مراكز البيانات في القطاع المصرفي، وأمن البنية التحتية والنقل الذكي.
من 2500 متر إلى 55 ألفاً.. الأرقام تكشف اتساع الحضور
تقدم المساحة التي يشغلها المعرض واحدة من أكثر الصور وضوحاً على حجم التحول الذي شهده خلال ثلاثة عقود. ففي حوار أجري عام 2021، ذكر المؤسس أن مساحة الدورة الأولى عام 1996 بلغت نحو 2500 متر مربع، بينما وصلت إلى قرابة 30 ألف متر مربع في دورة اليوبيل الفضي عام 2021، أي ما يعادل نحو 11 أو 12 ضعفاً. ولم يكن هذا التوسع مجرد زيادة في المساحة، بل ارتبط بتزايد عدد الشركات والقطاعات المشاركة، واتساع نطاق الموضوعات، وتنامي الحضور الدولي، وتطور مكانة المعرض في أجندة صناعة التكنولوجيا المصرية والإقليمية.
وفي دورة 2024، استقطب المعرض أكثر من 120 ألف زائر، وشارك فيه نحو 500 عارض، إلى جانب أكثر من 200 متحدث، وفق بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. أما دورة 2025، التي حملت شعار «AI Everywhere»، فقد سجلت أرقاماً أكبر وفق البيانات المنشورة من الجهة المنظمة: 161,280 زائراً، وأكثر من 580 شركة عارضة من 17 دولة، و550 متحدثاً، و95 جلسة نقاشية، وأكثر من 160 ساعة من المحتوى على المنصات، فضلاً عن توقيع 30 مذكرة تفاهم خلال الفعاليات. وبلغت مساحة المعرض 55 ألف متر مربع، فيما استقطبت فعاليات Connecta نحو 62 ألف طالب وخريج حديث وفق التقرير المنشور للنسخة السابقة.
وتعكس هذه الأرقام انتقال Cairo ICT إلى مستوى مختلف من التأثير؛ فحجم الحضور واتساع المشاركة لا يقدمان مؤشراً على النجاح التنظيمي فقط، بل يكشفان عن قدرة الحدث على جمع أطراف متعددة في مكان واحد: مؤسسات حكومية، وشركات اتصالات، وبنوك، ومطوري حلول رقمية، ومؤسسات صناعية، ومستثمرين، وخبراء، وشباب يبحثون عن فرص للتعلم والعمل.
Cairo ICT 2026.. الذكاء الاصطناعي ينتقل من الوعود إلى التطبيق
تأتي الدورة الثلاثون في لحظة تختلف جذرياً عن اللحظة التي شهدت ميلاد المعرض. ففي التسعينيات كان التحدي هو بناء سوق للاتصالات وإتاحة خدمات المحمول والإنترنت، أما اليوم فيتمثل التحدي في امتلاك البنية التحتية والقدرات البشرية والتنظيمية اللازمة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وتوظيفه في قطاعات الإنتاج والخدمات والحكومة والاقتصاد. ولهذا اختير شعار «AI in Action»، الذي يركز على الانتقال من الحديث عن إمكانات الذكاء الاصطناعي إلى اختبار تطبيقاته العملية وقياس أثرها في المؤسسات والمجتمعات.
ومن المقرر أن تقام الدورة الثلاثون خلال الفترة من 7 إلى 10 نوفمبر 2026 في مركز مصر للمعارض الدولية بالقاهرة الجديدة، بمشاركة شركات محلية ودولية ومؤسسات حكومية وخاصة وخبراء ورواد أعمال من أكثر من 80 دولة، وفق البيانات المعلنة. كما تشمل أجندة الحدث مسارات متخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاعات الاتصالات والبنوك والرعاية الصحية والتعليم والحكومة والأمن والطاقة والزراعة والمياه والإعلام والترفيه والعقارات والتسويق. ويعكس هذا التنوع اتساع مفهوم التكنولوجيا ذاته؛ فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجالاً منفصلاً، بل أصبح أداة تدخل في تحليل البيانات وتحسين القرارات ورفع كفاءة العمليات وتطوير الخدمات.
وتتزامن الدورة مع حضور خمس منصات تحت مظلة واحدة: Cairo ICT، وPAFIX للتكنولوجيا المالية والمدفوعات، وAIDC² للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، وConnecta للشباب والمهارات والتكنولوجيا، إلى جانب Innovation Arena للشركات الناشئة. ويكشف هذا التكوين عن طبيعة التحول الذي بلغه المعرض؛ إذ لم تعد التكنولوجيا محصورة في الاتصالات أو أجهزة المستخدمين، بل امتدت إلى البنية الحاسوبية والبيانات والتمويل الرقمي وتنمية المواهب وريادة الأعمال.
وتكتسب موضوعات مراكز البيانات والحوسبة السحابية أهمية خاصة في هذه المرحلة، لأن التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على البرمجيات وحدها، بل يحتاج إلى طاقة واتصالات عالية الكفاءة وقدرات معالجة وتخزين للبيانات، فضلاً عن أطر حوكمة وأمن سيبراني وتشريعات تحمي البيانات وتحدد مسؤوليات استخدامها. ومن ثم فإن المنافسة على الذكاء الاصطناعي هي، في جانب أساسي منها، منافسة على البنية التحتية الرقمية والسيادة على البيانات والقدرة على تطوير حلول تناسب احتياجات الأسواق المحلية والإقليمية.
مصر وأفريقيا.. من استضافة الحدث إلى بناء شراكات رقمية
تتجاوز أهمية Cairo ICT حدود السوق المصرية، بحكم موقع مصر الجغرافي والاقتصادي وصلاتها بأسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، وبحكم الحاجة المتزايدة في القارة إلى حلول رقمية تدعم الخدمات العامة والقطاع المالي والتعليم والصحة والزراعة والنقل. فالتحديات التي تواجه الأسواق الأفريقية لا تتعلق فقط بتوفير الأجهزة أو شبكات الاتصال، بل تشمل تكلفة النفاذ إلى الإنترنت، ونقص المهارات الرقمية، والفجوات في البنية التحتية، وحماية البيانات، وقدرة الشركات المحلية على تطوير منتجات وخدمات تنافسية.
وفي هذا السياق، يمكن للمعرض أن يمثل نقطة التقاء بين الشركات المصرية والأفريقية والعالمية، وأن يتيح فرصاً لتبادل الخبرات وبحث الشراكات التجارية والاستثمارية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المالية والحلول الحكومية الرقمية ومراكز البيانات والأمن السيبراني وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما أن مشاركة وفود ومؤسسات من دول أفريقية وعربية في الدورات المختلفة تمنح الحدث فرصة لتعزيز دوره كمنصة إقليمية، شريطة أن تتحول اللقاءات إلى مشروعات وشراكات مستدامة، وأن تتجاوز المشاركة الطابع البروتوكولي إلى التعاون التقني والاستثماري الفعلي.
وتبدو هذه المهمة أكثر إلحاحاً في ظل التغير السريع في الاقتصاد الرقمي العالمي. فالدول التي ستنجح في بناء قدرات محلية في البيانات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي ستكون أقدر على تحسين إنتاجيتها وتعزيز تنافسية شركاتها، بينما قد تواجه الأسواق التي تكتفي بالاستهلاك فجوة متزايدة في القيمة المضافة والمعرفة والقدرة على التحكم في البنية الرقمية. ومن هنا تبرز أهمية أن تكون المنصات الإقليمية، ومنها Cairo ICT، مساحة لتطوير حلول تنطلق من احتياجات المنطقة، لا مجرد نافذة لعرض أحدث المنتجات العالمية.
ثلاثون عاماً من التغير..
عندما انطلقت أولى دورات المعرض عام 1996، كان الهاتف المحمول يمثل أحد أبرز رموز المستقبل، وكانت فكرة جمع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام في مساحة واحدة تبدو متقدمة على استعداد قطاعات واسعة من السوق. وبعد ثلاثة عقود، أصبح الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والاقتصاد الرقمي في قلب النقاش الاقتصادي، وأصبح من الصعب تصور قطاع إنتاجي أو خدمي لا تتداخل التكنولوجيا مع عملياته الأساسية.
وبين هاتين اللحظتين، لم تتغير موضوعات المعرض فحسب، بل تغيرت طبيعة الاقتصاد والمجتمع والسوق التي يخاطبها. فمن معرض بدأ بمساحة محدودة ورؤية تستشرف تقارب الاتصالات والإعلام والتكنولوجيا، إلى منصة تستضيف مئات الشركات وعشرات الآلاف من الزوار، وتجمع قطاعات متعددة تحت مظلة واحدة، تتضح قيمة الاستمرارية والقدرة على قراءة التحولات مبكراً. كما تكشف التجربة أن المعارض المتخصصة تستطيع أن تتجاوز دورها التجاري التقليدي، لتصبح مساحة للحوار بين صناع القرار والمستثمرين والمطورين ومقدمي الخدمات والمستخدمين.
لكن الاحتفال بثلاثين عاماً لا ينبغي أن يحجب التحديات المقبلة. فنجاح مصر والمنطقة في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي يتطلب الاستثمار في التعليم والمهارات، وتطوير البنية التحتية، وتوفير الطاقة والاتصالات، ودعم البحث والتطوير، وتعزيز الأمن السيبراني، وبناء أطر واضحة لحوكمة البيانات. كما يتطلب تحويل الابتكار إلى منتجات وشركات وفرص عمل، وزيادة مساهمة التكنولوجيا في الإنتاج والتصدير، حتى لا تظل المنطقة مجرد سوق واسعة لاستهلاك التقنيات التي ينتجها الآخرون.
لهذا، فإن المعنى الأعمق للدورة الثلاثين من Cairo ICT لا يكمن في رقم الثلاثين وحده، ولا في حجم المساحات أو أعداد المشاركين، وإنما في قدرتها على تجسيد انتقال التكنولوجيا من مرحلة الإتاحة والاتصال إلى مرحلة الإنتاج والتأثير. وإذا كانت دورة 1996 قد راهنت على أن الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ستتقاطعان مع مختلف مناحي الحياة، فإن دورة 2026 تضع هذا الرهان أمام اختبار جديد: كيف تتحول تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد والخدمات والتنمية؟
ثلاثون عاماً بدأت باسم ارتبط بالاتصالات، ثم اتسعت لتصبح «Cairo ICT». وبين الاسمَين قصة تحول لمعرض، ولسوق، ولمنطقة بأكملها؛ قصة تؤكد أن المستقبل لا يصنعه امتلاك التكنولوجيا وحده، بل القدرة على فهمها وتوظيفها وإنتاج قيمتها.
سجل في قائمتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار
التكنولوجيا وأخبارها بوابة مصر لأخبار تكنولوجيا المعلومات والإتصالات وفي أفريقيا كما تعتبر مصدر رئيسي للمعلومات حول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والفرص الاستثمارية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي في المنطقة بالكامل
